عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

56

معارج التفكر ودقائق التدبر

قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) . أَصْبُ إِلَيْهِنَّ : أي : أمل إليهنّ ميل مرتكب للإثم . وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ : أي : وأكن من مضيّعي الحقّ ، السّفهاء العصاة الّذين يرتكبون الإثم . يقال لغة : جهل الحقّ إذا ضيّعه . ويقال : جهل فلان جهلا وجهالة ، إذا جفا وتسافه ، وركب مراكب الحمقى وتصرّف بغير عقل ولا حلم ، وحاد عن سواء السبيل . وجاء في سورة ( يوسف ) أيضا بشأن استعاذة يوسف عليه السّلام باللّه من أن يكون مجانبا العدل ، فيأخذ البريء بدل من دلّت الأمارات المادّيّة على أنّه هو المتّهم من إخوته بسرقة صواع الملك ، قول اللّه عزّ وجلّ في أثناء حكايته للقصّة : قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ( 79 ) . عبّر يوسف عليه السّلام بنون الجمع فقال : مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إشارة إلى حزمه في إدارته ، وقوّة سلطانه على جنوده ، ومراقبته لهم ، وأنّه لا يوجد في جنوده من يتجرّأ على أن يأخذ بريئا غير متّهم ، بدل المتّهم الّذي وجد صواع الملك في رحله . ثامنا : ثمّ أعلمنا اللّه عزّ وجلّ أنّ موسى عليه السّلام استعاذ بربّه الّذي هو ربّ فرعون وجنوده من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ، لمّا علم أنّ فرعون يستشير مجلس وزرائه أن يقتله .